الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية نفوس مُنهكة على عتبة الإنتظار... بينما يُعالج جسد مريض السرطان بالأدوية والأمصال، من يقود روحه لخوض معركة الانتصار؟

نشر في  21 فيفري 2026  (10:05)

في إحدى قاعات الانتظار بمستشفى عمومي بالعاصمة، لا يجلس المرضى ومرافقوهم فحسب… بل تجلس الحكايات الثقيلة، والقلوب المرتجفة، والآمال المعلّقة بخيط رفيع بين الخشية والرجاء.

وجوه تنطق بما لم يُقَل، وأجساد ساكنة تصدح بكل ما في الروح... هنا، لا يكون المرض تشخيصا طبيا فقط، بل تجربة وجودية تقلب موازين الحياة رأسا على عقب.

فالشفاء لا ينفصل عن الحالة المعنوية للمريض مهما استعصى المرض وتقدّم، حيث يؤكد الأطباء وتكشف دراسات علمية عن أنّ الحفاظ على التوازن النفسي له تأثير مباشر على

أحيانا تكفي كلمة واحدة، ابتسامة صادقة، وربما طبطبة خفيفة على كتف مُنهك، ليشعروا بطمأنينة قد تعجز عن منحها حتى التقارير الطبية الإيجابية. فتشخيص مرض عضال ليس خبرا عابرا بل بمثابة زلزال عاطفي يضرب المريض وأسرته سويّا، حيث تتداخل المشاعر بين الصدمة والإنكار، بين الخوف من المجهول والانكسار، وقد تتحوّل هذه الاضطرابات النفسية إلى عبء إضافي يُثقل مسار العلاج ويعطّل رحلة التعافي....

في هذا السياق، صافح موقع الجمهورية عددا من المرضى ومرافقيهم داخل أحد أقسام الأورام، فكانت شهاداتهم مرآة لمعركة صامتة يخوضونها يوميا… معركة لا يكون فيها الدواء وحده هو السلاح.

"كنت تائهة يومها... مازلت تحت تأثير وقع الصدمة... بالأمس فقط علمت أنّ والدي قد أصيب بمرض عضال يفتك بالروح والجسد... في يوم ممطر رعدي رمادي في أواخر شهر جانفي ذات يوم جمعة، هل ستراني سأنسى تلك المكالمة؟ ذاك الصوت المرتجف الذي دعاني للتوجه فورا نحو الطبيب الذي تمكن من تشخيص حالة أبي الصحية بعد معاناته من أعراض لم نفهمها ولم تحدد كل الفحوصات والتحاليل وصور الأشعة السابقة حقيقتها...  بعد أن نزل علي النبأ كسواد غائم اكتسح كل ما تبقى من نور مشع، تساءلت هل سنتمكن من إنقاذه ما ذا عساي أفعل... لكن بلمح بصر أيقنت قطعا أنّ لا وقت لديّ للانكسار رغم نظرات الطبيب اليائسة التي لم تخمد أملا بُعث في من جديد لينبت ويزهر...

ذاك الطبيب الإنسان

كلمات قلبت كل الموازين... لن أنسى ما حييت ما أخبرني به أحد المختصين في أمراض القلب والشرايين وتلك الطمأنينة التي لازمت نبرات صوته" حتى ولو كان هنالك واحد فقط من الأمل في الشفاء أو حتّى أقل، تمسّكوا في كل خيط رفيع يقودكم لخوض معركة الانتصار... لا تفقدوا الأمل في العلم والطب ولا في رحمة االله..." منذ ذاك اليوم ونحن في نزال، عام بأكمله يمرّ مثقل بالخوف والترقب وبترسانة من المحبة والإمتنان ومن التأكد بأنّ العائلة أهم من كل شيء وأنّ الوالدين كنز لا يعوّض لليوم مازلنا نصارع كلّنا من أجل البقاء عسى ان يأتي ذلك الشفاء الذي ننتظره، هي رحلة صعبة لكنها ليست مستحيلة بالعزيمة والكلمة الطيبة ذات الأثر الساكن فينا..."

هكذا حدّثتنا قمر عن تفاصيل ملحمة تخوضها مع عائلتها من أجل شفاء والدها، مؤكدة بأنها مازالت تخفي الحقيقة الكاملة عنه فيما يخص مرضه حتّى لا يصيب بالانهيار النفسي خاصة وهي تعلم انه يعاني من رهاب شديد من المرض رغم يقينها بأنه يشعر حتى ولو أخفت عنه كل العائلة...

"مرضي بمثابة "هدية" من الله لأنه كشف لي الوجه الحقيقي للحياة وللإنسان"

 في المقابل، وبابتسامة لا تفارقها توزّعها بحب لكل من تزوره عيناها، تخبرنا السيدة سعاد عن يقينها أنّ المرض الذي تعاني منه بمثابة "هدية" من الله لأنه كشف لها الوجه الحقيقي للحياة وللإنسان... وتقول "رغم إجرائي لأربع عمليات كادت الأخيرة أن تودي بحياتي حيث قبعت بغرفة الإنعاش لمدة 20 يوما والأطباء أخبروا عائلتي أن معجزة فقط ستنقذني وهو ما حدث، إلّا أن يقينا كبيرا في صدري وصوتا أسمعه يهمس في أذني أنني سأشفى طبعا لن أموت وأنا "ناقصة عمر"... المرض لا يقتل بل أجل الإنسان هو الذي يقتل.

 وتضيف: "وتقتل أيضا نظرات الشفقة والكلمات القاسية التي نواجهها من أشخاص ليس لهم أدنى تكوين إنساني وأخلاقي، عندما بدأ شعري في التساقط وأصبت بهزال شديد أثناء فترة خضوعي للعلاج الكيميائي لم ترحمني الألسنة "شبيك ضعفت، شبيه لونك تبدّل، علاه قصيت شعرك..." حتّى بتّ لا أغادر منزلي إلى يوم توجهي للمشفى للعلاج هنا نرتدي فقط ثوب الحقيقة نحاول لملمة آلامنا وكلّ ما أحس بعدم قدرة على المواصلة أتوجه للطبيبة النفسية بالقسم حتّى تشحنني بطاقة إيجابية...." 

" نحن نحتاج إلى من يسندنا نفسيا ويدعمنا ولو بكلمة، فالشفاء نصفه دواء وربعه كلمة طيبة وربعه الآخر بسمة وأمل"..

أمّا سيف وهو شاب ثلاثيني وإطار بنكي فيقول "أنا أخضع للعلاج منذ 6 أشهر وبعد شهرين سأخضع لعملية جراحية لاستئصال المرض وكلي ثقة في قطاعنا الصحي العمومي، الأطباء هنا يخبرونني أن جسدي يستجيب بصفة كبرى، وفي الحقيقة أعتقد أنّ عدم تركيزي على مرضي واستمراري في العيش بصفة طبيعية ساعدني... صحيح أنّني لم أستمر في التوجه اليومي إلى قاعة الرياضة كما كنت أفعل في السابق إلّا أنني أدفع نفسي حتى في أوقات التعب الشديد في ممارسة رياضة المشي يوميا..."

ويضيف" صحيح نحن نحتاج إلى من يسندنا نفسيا ويدعمنا ولو بكلمة، فالشفاء نصفه دواء وربعه كلمة طيبة وربعه الآخر بسمة وأمل"..

في ذات السياق وفي إشارة إلى أهمية الدعم النفسي، يقول الأخصائيون النفسيون أنه" تؤكد الدراسات العلمية أن ما يقرب من ثلث المرضى المصابين بالسرطان قد يعانون من اضطرابات نفسية وغالبا ما يعاني المرضى من الاكتئاب خاصة ما بعد الصدمة وما يخلفه ذلك من أرق واضطرابات شديدة في النوم إلى ما نحو ذلك من صعوبة في التكيّف مع التغيرات الجسدية الجديدة تبعا لما يتسبّب به العلاج الكيمياوي، مشددين على ضرورة طلب الدعم دون إضاعة الوقت في حالة وجود اضطرابات نفسية".

ووفقا لدراسات علمية تم نشرها فإنّه "يزداد نمو الورم وتطور المرض لدى الأشخاص الذين يعانون خاصة من ضعف الدعم الاجتماعي. وقد ثبت أن الدعم الاجتماعي غير الكافي يزيد من المادة المعروفة باسم IL6 في الجسم، مما يزيد من هيكلة الأوعية الدموية التي من شأنها توفير التغذية للأنسجة السرطانية. ولهذا السبب، فإن تلقي الدعم النفسي أثناء مكافحة السرطان سيؤثر إيجاباً على مسار المرض."


توصيات هامة...


قدم مجموعة من الأخصائيين في الطب النفسي مجموعة من التوصيات الهامة فيما يتعلق بالدعم الذي يجب تقديمه للشخص الذي يعاني من مرض السرطان من بينها:

 - تذكر أنهم قد لا يرغبون في التحدث عن مرضهم طوال الوقت وحاول الحفاظ على المحادثات اليومية الطبيعية.

- المرضى قد لا يرغبون في التحدث في بعض الأحيان لذلك دعهم يقضون الوقت بمفردهم.

- لا تبدي ملاحظات مثل "لقد فقدت وزنك هكذا" أو "تبدو مريضًا جدًا".

 - لا تشارك معلومات وتفاصيل عن مرض الشخص مع الآخرين دون إذنهم.

- أخبرهم بأنك مستعد للاستماع إليهم عندما يريدون التحدث معك، واستمع إليهم بتعاطف وانتباه.

 - لا تقول للمريض "عليك أن تكون قويا"، "لا تحزن"، "ابقى إيجابيا"، لأن هذا قد يخلق ضغطًا.
 - لا تصر على عرض المساعدة إذا لم يرغبوا في ذلك.

هذا وتشير الدراسات المختبرية التي أُجريت على النماذج الحيوانية والخلايا السرطانية البشرية التي تنمو في المختبر إلى أن الإجهاد المزمن قد يتسبب في انتشار مرض السرطان وبالتالي انتشاره. ويمكنك قراءة المزيد عن هذه الدراسات هنا: https://www.cancer.gov/about-cancer/coping/feelings/stress-fact-sheet#how-does-stress-affect-people-who-have-cancer.

ختاما، إنّ الشفاء ليس مجرد رحلة علاج بل رحلة توازن بين الجسد والروح، بين الألم والصبر والأمل والدعم الصادق وفي تفاصيل صغيرة تصنع فارقا كبيرا في قلب من يكافح.

 منــارة تليـــجاني